الطبراني

11

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ ؛ قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه : ( أشدّه بضع وثلاثون سنة ) وقال : ( ثماني عشرة سنة ) . وذلك أنه صحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثماني عشرة سنة ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام ، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره . فلما وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ؛ ونبئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا ربّه ، قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ؛ أي ألهمني شكر نعمتك ، الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ؛ بالهداية والإيمان حتى لم أشرك بك شيئا ، وَعَلى والِدَيَّ ؛ أبي قحافة عثمان بن عمر وأمّي أمّ الخير بنت صخر بن عمر ، قال عليّ رضي اللّه عنه : ( هذه الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعا ، ولم يجتمع أحد من الصّحابة والمهاجرين أبواه غيره ، وأوصاه اللّه بهما ) « 1 » . قوله تعالى : وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ ؛ فأجاب اللّه وأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في اللّه ولم يرد شيئا من الخير إلّا أعانه اللّه عليه ، واستجاب اللّه في دريّته حين قال : وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ؛ فلم يبق له ولد ولا والد إلّا آمنوا باللّه وحده ، قال موسى بن عقبة « 2 » : ( لم يدرك أربعة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هم وأبناؤهم إلّا هؤلاء : أبو قحافة ، وأبو بكر ، وابنه عبد الرّحمن ، وأبو عتيق بن عبد الرّحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنه ) « 3 » . قال البخاريّ : ( أبو عتيق أدرك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ) . قوله ( وأصلح لي في درّيّتي ) أي اجعل أولادي كلّهم صالحين ، وقوله : إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 15 ) ؛ أي إنّي أقبلت إلى كلّ ما يجب وأسلمت لك بقلبي ولساني وإنّي من المخلصين ، فأسلم أبوه وأمّه ولم يبق له ولد إلّا أسلم .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن : ج 16 ص 194 . ( 2 ) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي ، مولى آل الزبير ، تابعي روى عن جمع من الصحابة ، وله كتاب المغازي ، قال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى : كان مالك يقول : ( عليكم بمغازي موسى بن عقبة ، فإنه ثقة ) وفي رواية أخرى عنه : ( عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة ، فإنها أصح المغازي ) . ترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب : الرقم ( 7273 ) . ( 3 ) ذكره البغوي في معالم التنزيل : ص 1186 ، ولم يعزه إلى أحد .